آخر تحديث تم : 02/03/2021 English الرئيسية اتصل بنا الخدمات الإلكترونية روابط
 


     مجلس القضاء الأعلى ينسب رئيس وأعضاء محكمة قضايا الانتخابات            القاضي أسامة الطاهر في ذمة الله            بيان صادر عن السلطة القضائية            مجلس القضاء الأعلى يعتمد الهيكل التنظيمي المقترح للسلطة القضائية            إعلان داخلي            إعلان صادر عن لجنة المسابقة القضائية            بيان صادر عن رؤساء المحاكم النظامية      
دور الوقف الذري" الأهلي" في القدس الشريف في مقاومة تهويد المدينة المقدسة  


12/06/2013

 

 

للإطلاع على البحث كاملا

 
ما من شك أن الوقف من أفضل أنواع البر والإحسان، إذ يعد حبس العين من الوسائل المشروعة لحماية الأرض من الضياع والتفريط خصوصا في بلد كالقدس الشريف الذي تمارس عليه شتى وسائل التهويد لتغيير المعالم والآثار تحت مسميات دينية مزيفة ما انزل الله بها من سلطان.


وإنه ليس من المستغرب، أن يقوم سلفنا الصالح في الديار الإسلامية بحبس الأعيان وعلى وجه التحديد في بيت المقدس، التي هي رمز الصراع والبقاء والثبات، إذ آفاق رؤيتهم لم تكن محدودة، وإنما لبصيرتهم التي منحهم إياها رب العالمين بقيام عدد كبير ممن دخل فلسطين وعلى وجه التحديد بيت المقدس، من مسلمي بلاد المغرب العربي أو من بلاد الشام أو بلاد الجزيرة العربية أو حتى من بلاد المشرق في عهد المحرر صلاح الدين الأيوبي عام 583 هجرية وما تلاها من فتوحات حتى فترة الدولة العثمانية، ساهمت بشكل فعّال في إنشاء الأوقاف الذرية، فبدأت العائلات القادمة زمن التحرير لفلسطين التاريخية بحبس عقاراتها لوجه الله تعالى والتصدق بمنفعتها على ذوي القربى وغيرهم، فالبعض من أصحاب الأملاك أوقفها على أولاده الذكور وعلى بناته في حياتهن فقط وهو الغالب، والبعض الآخر أوقفها على الأولاد والبنات دون تخصيص وهو النادر، وكفكرة لحبس الأعيان، فإن الوقف كما سبق أن أشرت إليه هو ضرب من ضروب البر، رغم أن هذا الطريق له مخاطر اقتصادية جمة في عصر يحارب فيه المسلمون بأعتى وسائل الحروب وهو الاقتصاد، وهذا ما دفع بعض التشريعات العربية لإلغاء فكرة الوقف بنوعيه الذري والخيري، إلا أن فلسطين وعلى وجه الخصوص القدس لها خصوصية بحيث لا
يمكن تطبيق بعض التجارب العربية في إلغاء وتصفية الوقف وإن كان ذلك على حساب العجلة الاقتصادية.

في خضم الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ عام 1948 حتى هذه اللحظة، لم يتوقف الاعتداء الغاشم على الأرض والممتلكات، فمنذ أن وضعت الحرب أوزارها في العام 1967، بدأت سلسة الاعتداءات من سلطات الاحتلال في القدس مستهدفة أقدم حي عربي إسلامي وهو حي المغاربة الشهير، بتوسيع الفناء القريب من حائط البراق لاستيعاب اكبر عدد ممكن من المصلين اليهود في تلك المنطقة، وفي العقد الحالي توالت الهجمات على الأرض والآثار لتغيير المعالم الإسلامية، بهدف تهويد المدينة المقدسة تحت مسميات زائفة وغير قائمة إلا في الخيال، ورغم الهجمة الشرسة بمختلف السبل، فلم تنجح سلطات الاحتلال من تنفيذ كامل المخططات بتهويد المدينة في ظل وجود عدد هائل من الأوقاف الذرية"الأهلية" ناهيك على الأوقاف الخيرية، الأمر الذي يستدعي وضع إستراتيجية من أولي الأمر والمسئولين في القدس بتحفيز نظام الوقف الذري وبتشجيع أصحاب الأملاك بحبس الأعيان تقربا لله تعالى أولا، ولقطع الطريق على كل من تسول له نفسه بتسريب العقارات لجهات استيطانية ثانيا.

وبالرغم من أن حبس الأعيان قد يؤدي في عصر العولمة والنظام الاقتصادي الحر بمنع أصحاب الأموال الغير المنقولة من الاستفادة ماليا نتيجة لرفع أسعار العقارات عالميا، إلا أن الصراع الديني والسياسي أهم وأجل، فيمكن تعويض هذه الخسارة بطرق شتى وإن تم حبس العين، وذلك بوضع بعض الشروط من قبل الواقف للاستفادة من الريع أثناء حياته أو بتأجير العقارات ببدل المثل أو بتحفيز نظام الحكر بأسلوب علمي اقتصادي....
لذلك بوجود هذا الصراع القائم المستفحل على أشده، أوجد لدي دافع رئيسي للكتابة حول هذا الموضوع، وهو ما استوقفني كثيرا للبحث فيه، إذ يتلخص هذا الدافع في أمرين: أولهما: أن كثيرا من العائلات في بيت المقدس لها أوقافا ذرية من أشهرها وقف الشيخ إبراهيم الصافوطي الذي أوقف عقاراته على أبنائه للذكر مثل حظ الأنثى ، وثانيهما: أن حكمة وبصيرة السلف الصالح ساهم بشكل فعّال في منع تسريب العقارات لجهات غير شرعية، مما منع عملية التهويد للقدس القديمة في العقارات الموقوفة ذريا على أقل تقدير، بالرغم من أن التهويد مستمرا في معالم الشوارع وبعض الأحياء المقسمة سياسيا بين حارتي الأرمن وما يطلق عليه بحارة اليهود وهي حارة المغاربة.

فالهدف مما سيق أعلاه، أن الباحث من دعاة تكريس إنشاء الأوقاف الذرية في عصر العولمة، نظرا لما يتمتع به هذا النظام من تقوية الأوصال الاجتماعية والثقافية بين ذرية الواقف سيما وأن جميع الأوقاف نامية وعامرة، ودون حاجة للإسهاب في العامل الديني الذي هو الأساس كون هذا الأمر محصورا بين العبد وربه، إلا أن تطور الفكر العالمي وتأثر المجتمعات العربية ومنها مجتمعنا المقدسي بالحضارات الأخرى ساهم بشكل ملحوظ في تفسخ أبناء العائلة الواحدة وأدى لمزيد من الصراعات، مما تم استغلال هذا الأمر من قبل المحتل المتربص بكل عائلة متفككة ليحقق مآربه بشراء العقارات حتى ولو كانت حصة واحدة من التركة، ليتمكن بأساليبه الماكرة بشراء باقي الحصص بمنهج مدروس في سبيل التهويد.

ففي هذا السياق، ما يهم الباحث هو التعامل مع الواقع من حيث الحفاظ على الوقف الذري، بتنفيذ شروط الواقف مع امكانية تجاوز تلك الشروط بما يؤدي لتعزيز الصمود والحفاظ على المعالم، لمنع تسريب العقارات للأيدي المعادية.

وبالتالي يستدعي للوصول إلى هدف البحث الإجابة على بعض التساؤلات المهمة: من هو صاحب القرار في الحفاظ على الوقف الذري؟ وهل هناك من رقابة على من يدعي بأنه حامي الوقف؟ وهل الرقابة على حامي الوقف "المتولي" تستدعي عدم تنفيذ شرط الواقف بعدم تمكين ذريته الانتفاع من الأعيان في حالة وجود مستأجر يستطيع دفع بدل المثل؟ وما هو دور المستحقين من هذا القرار وهل يجوز التظلم منه؟ وإذا تعارضت المصالح ما بين حامي الوقف وبين المستحقين فهل للجهة المراقبة التدخل واتخاذ قرار توفيقي أو قرار آخر هدفه الحفاظ على الوقف ولو كان دون إرادة المستحقين وإن أجمعوا على اتخاذ منهاج معين؟

للإجابة على هذه التساؤلات لا بد من دراسة الإشكالية محل البحث بالوصف التحليلي للتركيز على الحالة المعروضة بشقيها النظري والعملي بحيث سيتم التعرض لهذه الدراسة من خلال مبحثين:
المبحث الأول: سنتعرض للجانب النظري: معنى الوقف لغة واصطلاحا ونشأته وأنواعه وأهدافه والدليل على قيامه.


أما في المبحث الثاني، سنتعرض للتطبيق العملي بحيث سندرس حالة قائمة تتعلق بوقف الشيخ إبراهيم الصافوطي للوقوف على شروطه وأعمال المتولي، ومدى جدية المحكمة الشرعية في القدس بتطبيق الرقابة على متولي الوقف الذري وبعض القرارات التي اتخذت في سبيل الحفاظ على الوقف إن وجدت، وإن كانت ضد رغبة المستحقين ومدى تعرض سلطات الاحتلال للوقف أو للمنتفعين من الأعيان والوسائل المتخذة في دعم المنتفعين بمواجهة الاحتلال كنموذج يحتذى به، وفي النهاية سيتم التعرض لرأي الباحث والتوصيات.