آخر تحديث تم : 01/06/2020 English الرئيسية اتصل بنا الخدمات الإلكترونية روابط
&nbsp


     لجنة إدارة المرافق القضائية تناقش أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة            الرئيس يستقبل رئيس مجلس القضاء الأعلى الانتقالي             الرئيس يستقبل رئيس مجلس القضاء الأعلى الانتقالي            اعلان دخول مسابقة قضائية لتعيين قضاة صلح في المحاكم النظامية            المستشار أبو شرار يبحث مع قضاة التنفيذ آليات التعامل مع الأقساط المستحقة للأشهر الماضية            "القضاء الأعلى": مجمع محاكم رام الله لا يلبي متطلبات التقاضي            وفد من وزارة الصحة يتفقد مجمع محاكم رام الله      
دور المحكمة العليا في مواجهة الاعتقال التعسفي  


04/11/2010

إعداد: الأستاذ فضل نجاجرة

المقدمة
يعتبر الاحتجاز (الاعتقال) التعسفي بصوره المختلفة أحد الظواهر الخطيرة التى تشكل التهديد الرئيسى للحق فى الحرية والأمان الشخصى. كما تعد ظاهرة الاحتجاز التعسفى أحد الانتهاكات الأكثر خطورة على حرية الفرد وامنه في مواجهة تعسف السلطة التنفيذية الامر الذى يشكل خرقا لنصوص القانون الاساسي والقوانين الاجرائية ذات العلاقة ذلك ان الاعتقال التعسفي يرتبط بمجموعة اخرى من الانتهاكات التي تعتدي على الحقوق المدنية والسياسية وتطال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك حقوق المرأة والطفل من أسر المعتقلين .

ونتيجة للتاريخ الطويل من الانتهاكات التي تعرض لها الفرد في كل أصقاع الأرض فقد جاءت منظومة القوانين والعهود الدولية متضمنة العديد من النصوص التي تحرم الاعتقال التعسفي والتوصيات الواجب اتبعها من قبل اعضاء المجموعة الدولية للحد من هذه الانتهاكات كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لحقوق الإنسان لسنة 1966 وغيرها من الصكوك الدولية .

وعلى صعيد القوانين الوطنية فقد حرصت دول العالم بمختلف مشاربها على إيراد النصوص القانونية المنظمة لآليات الاحتجاز وتحديد الجهات المخولة قانونا بإلقاء القبض على الافراد في الاحوال التي يجيزها القانون.

وفي هذا السياق فقد حرص المشرع الفلسطيني على تضمين القانون الأساسي للسلطة الوطنية الفلسطينية العديد من النصوص الدستورية التي تضمن الحقوق والحريات العامة وبينت نطاقها وضرورة إحترامها حيث تضمن النص في المادة 11 على الحق في الحرية ، وعلى عدم جواز القاء القبض على احد او تفتيشه او حبسه او تقييد حريته باي قيد او منعه من التنقل الا بامر قضائي وفقا للقانون الذي يحدد مدد الحبس الاحتياطي وتنظيم السجون ، كما تضمن القانون الاساسي النص على الحق في التقاضي ( المادة 30 ) ، فيما اعتبر المشرع الفلسطيني وفي المادة 32 من القانون الاساسي كل إعتداء على هذه الحقوق والحريات جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية والمدنية الناشئة عنها بالتقادم وتضمن السلطة الوطنية وفقا لهذه المادة حق المتضرر في التعويض، كما جاء التأكيد على صون هذه الحقوق والحريات العامة في حالات الطوارئ المعلنة وعدم جواز فرض القيود عليها إلا بالقدر اللازم لتحقيق الهدف المعلن في مرسوم إعلان حالة الطوارئ (المادة 111)، فيما نص في المادة 112 على وجوب اخضاع أي اعتقال ناتج عن حالة الطوارئ للحد الادنى من المتطلبات القانونية بحيث لا يتم الاعتقال الا بعد اعلان حالة الطوارئ بموجب مرسوم رئاسي حسب الاصول ، ووجوب مثول الموقوف بموجب اعلان حالة الطوارئ امام القضاء في المدد المحددة ، فيما كفلت الفقرة الثانية من هذا النص الدستوري حق الموقوف بتمثيله بمحام .

كما حفلت القوانين الإجرائية النافذة في فلسطين بمجموعة من النصوص القانونية التي تحدد جهة الاختصاص في القبض حيث ورد النص على ذلك في قانون الإجراءات الجزائية النافذ ونظم في عديد مواده آلية إلقاء القبض على الموقوف وجهة الاختصاص بذلك و الحبس الاحتياطي وتمديد التوقيف والتفتيش ومكان توقيف المقبوض عليه والية إصدار أمر الإفراج عنه بكفالة ومسئولية كل من له علاقة بالتوقيف الاحتياطي بضرورة اان يتم التوقيف بناءا على امر قضائي فقط ، كذلك فقد تضمن قانون تشكيل المحاكم النص اختصاص المحكمة العليا في نظر الطلبات المتعلقة بالافراج عن الاشخاص الموقوفين دون وجه مشروع وذلك في الفقرة الثالثة من المادة 33 من القانون المذكور ، وحدد القانون الاصول المتبعة للجوء للمحكمة العليا في حالة تعرض أي فرد للاعتقال التعسفي.

وتهدف هذه الدراسة إلى التركيز على الدور الكبير المنوط بالجهاز القضائي القيام به لبسط الرقابة على مدى احترام السلطة التنفيذية للحريات العامة ، من حيث التطبيق السليم للنصوص القانونية ، حيث يشكل الجهاز القضائي الملاذ الاخير للفرد في مواجهة تعسف السلطة التنفيذية ، من خلال تسليط الضوء على دور المحكمة العليا في الحماية من الإعتقال التعسفي من خلال إختصاصها في نظر طلبات الافراج في حالة الاعتقال التعسفي وابراز هذا الدور.

وسنعتمد في انجاز هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي من خلال تحليل النصوص الدستورية الضامنة للحقوق والحريات العامة في القانون الأساسي الفلسطيني بالمقارنة مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و العهدين الدوليين لحقوق الإنسان لسنة و تحليل النصوص القانونية الواردة في القوانين الاجرائية والموضوعية النافذة في فلسطين والمتعلقة بدور المحكمة العليا في بسط رقابتها القضائية على حماية الحريات العامة ودورها الموضوعي في الافراج عن المعتقلين دون وجه مشروع وذلك في القسم الأول من هذه الدراسة .

أما القسم الثاني فسيخصص لمتابعة و تحليل القرارات الصادرة عن المحكما العليا الفلسطينية والمتعلقة بالافراج عن المعتقلين تعسفيا في الأراضي الفلسطينية لغايات عرض اتجاه المحكمة العليا في موضوع الدراسة .

القسم الأول
الضمانات القانونية للفرد أثناء تعرضه للاحتجاز
وفي هذا الفصل سنتطرق لتعريف الاعتقال التعسفي حسب مدلوله في التشريع الوطني والصكوك الدولية ذات العلاقة ، وذلك في المبحث الاول ، اما المبحث الثاني فسنخصصه للبحث في الضمانات القانونية للفرد من الاعتقال التعسفي مقارنة بالواد ذات العلاقة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .


المبحث الاول
مفهوم الاعتقال التعسفي

لم تتفق القوانين الدولية ولا التشريعات الوطنية على تعريف موحد لمصطلح الحرمان من الحرية ، فنجد شيوع مجموعة من المصطلحات الدالة على حجز الحرية سواء في الصكوك الدولية او التشريعات الوطنية ، فتارة تستخدم كلمة القبض وتارة اخرى الاحتجاز او الاعتقال او الحبس ، فمثلا نجد ان القانون الاساسي الفلسطيني قد استخدم في المادة 11 عدة مصطلحات بمناسبة الحديث عن الحق في الحرية ، فورد لفظ القبض والحبس وتقييد الحرية ، في حين استخدم المشرع لفظتي الايقاف والقبض بمناسبة الحديث عن حق المقبوض عليه بمواجهته في التهمة المنسوبة اليه وذلك بحكم ما ورد في نص المادة 12 من القانون الاساسي ، كما استخدم المشرع الفلسطيني لفظ القبض والحبس في المادة 29 من قانون الاجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 ، اما قانون تشكيل المحاكم فقد استخدم لفظ الحبس وذلك بموجب ما ورد في المادة 33 / 3 من قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم 5 لسنة 2001 وذلك بحكم تنظيم اختصاص محكمة العدل العليا في نظر طليبات المعارضة في الحبس للافراج عن الموقوفين دون وجه مشروع .

فيما نجد ان العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية قد استخدم لفظ الاعتقال والحجز وذلك بموجب ما ورد في المادة 9منه والتي تنص : ( لا يجوز اعتقال أي إنسان أو حجزه أو نفيه تعسفا) .
اما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فقد استخدم لفظ التوقيف والاعتقال وذلك في المادة 9 منه والتي تنص : ( 1. لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرر فيه.

2. يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه.3. يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء.4. لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.
5. لكل شخص كان ضحية توقيف أو اعتقال غير قانوني حق في الحصول على تعويض.)

ونظرا الى هذا الاختلاف في التعريفا وتعدد المصطلحات والالفاظ المستخدمة للدلالة على الحرمان من الحرية ، نجد ان فريق الامم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي اجمع على مصطلح ( الحرمان التعسفي من الحرية ) وذلك بموجب القرار رقم (1997/50 ).

ذلك انه حتى يكون الاحتجاز قانونيا وليس تعسفيا لا بد من توافر ادلة كافية لتوجيه الاتهام للمحتجز بارتكابه الجريمة ، وان تتوافر عناصر موضوعية- في غير حالات التلبس - تؤكد ارتكاب المحتجز لتلك الجريمة ، والاحتجاز التعسفي يبدا دائما في غياب التبرير القانوني للتوقيف ومنع الحرية ، و / او اذا جاء مخالفا لضمانات الموقوف في المحاكمة العادلة ، وقد اورد الفريق المعني بالاحتجاز التعسفي في الامم المتحدة عدة حالات مرتبطة بكون الاحتجاز تعسفيا وهي :

  1. اذا كان من المستحيل التذرع باي اساس قانوني لتبرير الحرمان من الحرية .
  2. اذا كان الحرمان من الحرية ناجما عن ممارسة الحقوق والحريات الواردة في الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .
  3. اذا تم انتهاك المعايير الدولية للمحاكمة العادلة .
وباستعراض الاحكام الصادرة عن محكمة العدل العيا والمتعلقة بالافراج عن الموقوفين دون وجه مشروع ، نجد ان المحكمة لم تتطرق الى تعريف محدد للتوقيف غير المشروع ، وانما اقتصر بحث المحكمة لكل حالة على حدة ، فنجد ان المحكمة اعتبرت ان استمرار توقيف المستدعي لدى جهاز الامن الوقائي اكثر من مدة اربع وعشرين ساعة يعتبر توقيفا غير مشروع ، كما اعتبرت المحكمة وفي مجموعة من القرارات الصادرة عنها ان توقيف المستدعي المدني من قبل رئيس هيئة القضاء العسكري هو توقيف غير مشروع ومخالف لنص المادة 101 من القانون الاساسي والمادتين 11و12 من الاجراءات الجزائية النافذ .

وفي حكم اخر صادر عن محكمة العدل العيا في غزة يحمل الرقم 178/2003 نجد ان المحكمة اعتبرت ان عدم اتباع الجهة المستدعى ضدها وهي جهاز المخابرات العامة للاجراءات المنصوص عليها في المواد ( 29 و 1 و 55 و 108 و 119 و 120 ) من قانون الاجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 كما حددتها المحكمة في حكمها المشار اليه ، الامر الذي اعتبرت معه المحكمة استمرار توقيف المستدعي وحجزه توقيفا غير مشروع .

المبحث الثاني
التنظيم القانوني للقبض على المتهمين
لما كان التوقيف هو اخطر الاجراءات الاحتياطية التي تتخذها السلطة التنفيذية بحق المتهم ، كما انه اشدها وطاة عليه كونه يسلبه اقدس واثمن ما يملك وهي حريته ، فقد حرصت معظم الدول على اختلاف مشاربها ان تضمن تشريعاتها نصوصا قانونية لتنظيم اليات القبض على المتهمين ، وانسجاما مع هذا التوجه العالمي في ايجاد ضمانات قانونية وتشريعية للمتهمين اثناء عمليات التوقيف والاحتجاز ، فقد حرص المشرع الفلسطيني على ايراد مجموعة من النصوص الدستورية والنصوص القانونية لتشكل ضمانة قانونية تضمن للفرد الا يتعرض للقبض والتوقيف غير المشروع وذلك إيمانا منه بضرورة ان يسود مبدا المشروعية ، لذا سنتناول في هذا المبحث التنظيم االقانوني لعمليات القبض على المتهمين لما يشكله هذا التنظيم من ضمانة هامة في مواجهة الاعتقال التعسفي بالمقارنة مع ما ورد في العهود والمواثيق الدولية المنظمة لهذه الحقوق .

الضمانات الدستورية من الاعتقال غير المشروع مقارنة بالمواثيق الدولية
حرص المشرع الفلسطيني في القانون الاساسي للسلطة الوطنية ( الدستور ) على رسم الخطوط العريضةللمشرع عند اقراره للقوانين الاجرائية وبين له الاطر التي يتمكن من خلالها ان يحفظ ضمانات المتهم من ان يتعرض للاعتقال التعسفي .
و يعتبر مصطلح الدستور، إذا قيس من حيث الزمن، مصطلح حديث، في عالم الفكر القانوني، حيث ظهر اول دستور مكتوب عند انشاء الولايات المتحدة الامريكية وكان ذلك في العام 1787م ، ومن ثم وفي العام 1791 وفي اعقاب قيام الثورة الفرنسية اصدرت فرنسا دستورها المكتوب الداعم لفلسفة الحرية وحقوق الإنسان ، وتوالت بعد ذلك الدول المختلفة في اصدار دساتيرها المكتوبة ، والتي حرصت في مجملها على تضمين تلك الدساتير بنصوص تحرص على الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية .
و لفظة "دستور" وهي لفظة غير عربية،بل هي كلمة فارسية الأصل تعني: الأساس أو القاعدة ودخلت إلى اللغة العربية بذات المعنى، ومن ثم نجد بعض من الدول العربية تطلق على دستورها مسمى: النظام الأساسي أو القانون الأساسي تأثراً بمعنى ومرادف كلمة الدستور،ومنها السلطة الوطنية الفلسطينية والتي اطلقت على دستورها اسم القانون الاساسي ، وهذا هو المعنى اللغوي لكلمة الدستور، أما المعنى الاصطلاحي، فقد أثار فقهاء القانون العام عاصفة من الخلافات حول تعريف الدستور ما بين التعريف الشكلي والتعريف الموضوعي ، فالدستور وفقا للتعريف الموضوعي يعني مجموعة القواعد القانونية التي تنظم مسائل ذات طبيعة دستورية، اما التعريف الشكلي للدستور فيعني تلك القواعد والنصوص الموجودة في الوثيقة الدستورية والتي توضع أو تعدل طبقاً لإجراءات خاصة، تختلف عن الإجراءات والخطوات التي تتخذ في وضع القوانين العادية، ونجد ان غالبية فقهاء القانون العام قد استقرت على التعريف الموضوعي للدستور بغض النظر عن مكان وجود هذه القواعد ودونما تقيد بما ورد بالتعريف الشكلي للدستور مع الاقرار باهميته .


ولعل اهم ما يميز القواعد الدستورية هي السمو ، و السمو يعني العلو، وسمو قواعد الدستور يعني علوها على باقي القواعد القانونية على تدرجها من تشريعات وقوانين ولوائح وقرارات إدارية، بمعنى آخر إذا انتظمت التشريعات في شكل هرمي فإن القواعد الدستورية تعتلي قمة هذا الهرم وتهيمن على كافة التشريعات والقواعد الأخرى التي يتكون منها هذا الهرم، فالدستور كما أسلفنا هو الذي يحدد سلطات الدولة ويوزع اختصاصاتها ومن ثم فإن القواعد الدستورية تسمو بطبيعتها على مضمون القواعد القانونية الأخرى التي تصدر عن السلطات التي أنشأها الدستور، وسمو الدستور بالمعنى السابق هو "السمو الموضوعي" فالسمو مستمد من الموضوعات التي يتضمنها الدستور وكونه المؤسس لكافة سلطات الدولة على أن الدستور لا يستمد سموه من جوهر موضوعاته فقط، وإنما يستمد كذلك من طريقة وضعه، وطريقة تعديل أحكامه، ذلك أنه وفي بعض الدول فان الدستور يكون من وضع هيئة تختلف في تشكيلها وإجراءاتها عن الهيئة التشريعية العادية، كما أن تعديل أحكام الدستور تكون كذلك بإجراءات مغايرة تتسم بالصعوبة والتعقيد ، وهذا هو السمو الشكلي للدستور، وهوالسموالذي يستمد من طريقة تعديل الدستور، ومن الملاحظ أن السمو الموضوعي لقواعد الدستور يتوفر في كافة أنواع الدساتير مرنة أو جامدة، عرفية أو مدونة، الامر الذي يوجب ان تصدر جميع القوانين الاخرى في الدولة على اساسه .

وعلى هذا الاساس نجد ان القانون الاساسي الفلسطيني قد تضمن وفي الباب الثاني منه وتحت عنوان الحريات والحقوق العامة العديد من النصوص الدستورية التي تكفل للانسان حريته و كرامته وتحرم القبض عليه دون سند قانوني ،كما حرم التمييز بين الفلسطينيين معتبرا انهم جميعا سواء امام القانون ( المادة 9 ) ومؤدى هذه القاعدة انها تمثل الاساس الدستوري الواجب اتباعه عند سير الاجراءات الجزائية بحق المتهم ، كما قرر وفي المادة 10 على ان حقوق الانسان وحرياته ملزمة وواجبة التطبيق ، فيما تضمن النص في المادة 11 على ان الحرية الشخصية مكفولة وعلى عدم جواز القاء القبض على احد او تفتيشه اوحبسه او تقييد حريته باي قيد او منعه من التنقل الا بامر قضائي وفقا للقانون ، ولا يجوز احتجازه الا في الاماكن المخصصة لذلك بحكم القانون ، كما نص في المادة 12 من القانون الاساسي على وجوب ان يبلغ كل من يقبض عليه او يوقف باسباب القبض عليه او توقيفه ويجب اعلامه سريعا بلغة يفهماه بالاتهام الموجه اليه وان يمكن من الالتصال بمحام وان يقدم للمحاكمة دون تاخير) .

وتعتبر النصوص الدستورية المشار اليها اعلاه هي الضامنة لفكرة الحماية الدستورية للحقوق والحريات العامة ، وتشكل مبدا سيادة القانون الذي يعني خضوع جميع اعضاء المجتمع و سلطات الدولة لسلطان القانون كاساس لمبدا المشروعية ، ذلك ان الدولة القانونية هي الدولة التي تلتزم اثناء مباشرة جميع مظاهر نشاطها بقواعد قانونية تعلو عليها وتكون بذاتها ضابطا لاعمالها وتصرفاتها .

و ضمانات المتهم من الاعتقال التعسفي الواردة في القواعد الدستورية المشار اليها اعلاه وثيقة الصلة بحقوق الانسان ، تلك الحقوق التي حرصت البشرية جمعاء على صيانتها من خلال التشريعات وعقد الاتفاقيات التي تؤكد على ضرورة احترامها وصيانتها ، وفي هذا الاطار نجد ان القانون الاساسي الفلسطيني قد نص في المادة 10/2 على ( تعمل السلطة الوطنية دون ابطاء على الانضمام الى إلى الإعلانات والمواثيق الإقليمية و الدولية التي تحمي حقوق الانسان ) .

لذا فان جميع القواعد الدستورية الضامنة لحق الفرد في الحرية وعدم تعرضه للاعتقال التعسفي تنسجم وتقرا مع المواد الواردة في العهود والمواثيق الدولية ذات العلاقة والتي تتمثل في كل من الاعلان العالمي لحقوق الانسان و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، علما بان الراي الراجح في فقه القانون العام يرى ان لهذه الاعلانات والمواثيق قيمة قانونية ملزمة تاخذ قيمة القوانين العادية اذا ما تعلقت بالمبادئ المحددة الواردة في هذه الاعلانات والتي يتوجب على المشرع الوطني ان ياخذها بعين الاعتبار عند سن القوانين في الدولة .

حيث اكد الاعلان العالمي لحقوق الانسان في المادة 3 على حق كل فرد في الحرية وسلامة شخصه ، كما منع في المادة 5 تعذيب اي انسان او تعريضه للعقوبات الفظة او المذلة التي تحط من كرامته ، وحظر وبصريح النص في المادة 9 منه القاء القبض على اي فرد او حبسه او نفيه بشكل تعسفي ، واعتبر الاعلان العالمي وفي المادة 11 ان كل فرد بريئ حتى تثبت ادانته قانونا ، بالإضافة إلى ذلك فقد قرر الاعلان العالمي حظر اي انتهاك لسمعة الانسان وشرفه .

اما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فقد اكد في عديد مواده على ضرورة احترام وضمان حرية الفرد واورد مجموعة من الضمانات المتعلقة بحق الانسان في حريته وان لا يقبض عليه تعسفيا ، وذلك بحكم ما ورد في المادة 9 منه ، كما تضمنت الفقرة الثانية من المادة 9 من العهد الدولي المشار اليه على انه يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه كما يتوجب إبلاغه سريعا بأية تهمة توجه إليه، اما الفقرة الثالثة من ذات المادة فتنص على ان يقدم الموقوف أو المعتقل بتهمة جزائية، سريعا، إلى أحد القضاة أو أحد الموظفين المخولين قانونا مباشرة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يحاكم خلال مهلة معقولة أو أن يفرج عنه. ولا يجوز أن يكون احتجاز الأشخاص الذين ينتظرون المحاكمة هو القاعدة العامة، ولكن من الجائز تعليق الإفراج عنهم على ضمانات لكفالة حضورهم المحاكمة في أية مرحلة أخرى من مراحل الإجراءات القضائية، ولكفالة تنفيذ الحكم عند الاقتضاء، وتشكل احالة المقبوض عليه الى المحكمة المختصة لمحاكمته بالجريمة المنسوبة اليه احدى الضمانات الهامة الواردة في الفقرة الرابعة متن ذات المادة والتي ورد فيها لكل شخص حرم من حريته بالتوقيف أو الاعتقال حق الرجوع إلى محكمة لكي تفصل هذه المحكمة دون إبطاء في قانونية اعتقاله، وتأمر بالإفراج عنه إذا كان الاعتقال غير قانوني.

وانسجاما مع القواعد الدستورية وما ورد في الصكوك الدولية ذات العلاقة نجد ان المشرع الفلسطيني وفي ذات السياق قد ضمن القوانين الاجرائية المطبقة العديد من النصوص التي تكفل له الحق في عدم انتهاك الاجهزة القائمة على تطبيق القانون لحرياته الفردية وعدم جواز تعرض الفرد الى الاحتجاز التعسفي دون وجه حق ، حيث نجد ان المشرع في قانون الاجراءات الجزائية النافذ رقم 3 لسنة 2001 هدف الى تنظيم الحدود التي يمكن للسلطة العامة فيها المساس بالحقوق والحريات العامة من اجل اقامة العدالة ، مراعيا في كل ذلك ان لا يتعرض الفرد الى التعسف والظلم اثناء عملية الاحتجاز وما يتبعها من توقيف وتحقيق .
وفي هذا الاطار فقد تضمن قانون الاجراءات الجزائية العديد من النصوص التي تشكل ضمانت قانونية للمتهم ، ابتداءا من حصر وظيفة تحريك الدعوى الجزائية واناطتها بالنيابة العامة دون غيرها ، وذلك بموجب ما ورد في المادة 1 من ذات القانون والتي تنص على ان : ( تختص النيابة العامة وحدها دون غيرها باقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها ولا تقام من غيرها الا في الاحوال المبينة في القانون ولا يجوز وقف الدعوى او التنازل عنها او تركها او تعطيل سيرها او التصالح عليها الا في الحالات الواردة في القانون ، وقد جاء هذا النص مطلقا والمطلق يجري على اطلاقه ، وقد اكد القانون وفي المادة الثانية منه على اختصاص النيابة الأصيل في تحريك الدعوى العامة حيث نصت تلك المادة على ان : ( يباشر النائب العام الدعوى الجزائية بنفسه او بواسطة احد اعضاء النيابة العامة ) .

ويعتبر اناطة تحريك الدعوى الجزائية بالنيابة العامة وحدها دون غيرها احدى الضمانات الهامة في مواجهة تعسف الجهات التنفيذية في استخدام سلطاتها بمواجهة المحتجز ، كما نصت المادة 29 من ذات القانون على انه : ( لا يجوز القبض على احد او حبسه الا بامر من الجهة المختصة بذلك قانونا كما يجب معاملته بما يحفظ كرامته ولا يجوز ايذاؤه بدنيا او معنويا )

كما كفلت المادة 43 الحق للمتهم ومحاميه الحضور في كافة اجراءالت التحقيق ، سواء منها التحقيق الابتدائي الذي تجريه الضابطة القضائية و / او النيابة العامة ، واذا ما دعت الضرورة اتخاذ اجراءات تحقيق في غيبة المتهم فعلى النيابة العامة أن تطلع المتهم على كافة الاجراءات المتخذة في في غيبته ، وكذلك كفل له الحق في حضور التحقيق النهائي الذي تجريه المحكمة ، وفي المادة 105 من القانون اكد المشرع وبقواعد امرة على المدد المتاحة امام الضابطة القضائية والنيابة العامة للتوقيف والتي نصت : ( يجب ان يتم الاستجواب خلال 24 ساعة من تاريخ ارسال المتهم لوكيل النيابة ) فيما تضمنت المادة 106 من القانون الاجراءات الواجب اتباعها في اصدار مذكرات الحضور والاحضار لاجراء التحقيقف ،اما المادة 107 فقد اوجبت على مدير المركز او مكان التوقيف ارسال المقبوض عليه خلال اربع وعشرين ساعة لوكيل النيابة ، وفي المادة 108 من ذات القانون حدد المشرع المدة القصوى التي يحق لوكيل النيابة توقيف المتهم فيها ، وبانتهائها تختص المحكمة بتمديد توقيف المحتجز طبقا للقانون .

وفي هذا الاطار فقد نصت المادة 119 على انه : ( اذا اقتضت اجراءات التحقيق استمرار توقيف المقبوض عليه اكثر من اربع وعشرين ساعة فلوكيل النيابة ان يطلب من قاضي الصلح تمديد التوقيف لمدة لا تتجاوز 15 يوم ) ذلك ان الاصل ان الانسان حر ولا يجوز توقيفه او حجز حريته الا اذا استدعت ضرورة متمثلة بإجراءات التحقيق حجز حريته ولمدد محدودة .

وباستقراء هذه النصوص الدستورية والاجرائية فإننا نجد أن المشرع الفلسطيني وانسجاما مع المعايير الدولية قد اورد مجموعة هامة من الضمانات التي تكفل للفرد حريته ، وان اي مخالفة لهذه القواعد الدستورية والتشريعية يعتبر احتجازا تعسفيا وتوقيف غير مشروع موجب لتدخل المحكمة العليا بموجب اختصاصها بحكم المادة 33 من قانون تشكيل المحاكم ارقم 5 لسنة 2001 ، سواء تمثلت المخالفة بكون القرار صادر عن جهة غير مختصة بالقبض والتوقيف او بانقضاء المدد الممنوحة لتلك الجهة للتوقيف كما سنبينه لاحقا في القسم الثاني .
القسم الثاني
الرقابة القضائية على الاعتقال التعسفي واختصاص المحكمة العليا

بتاريخ 5/9/2001 تم نشر قانون تشكيل المحاكم رقم 5 لسنة 2001 في الجريدة الرسمية ، والذي انشات بموجبه المحكمة العليا ، اما قبل ذلك فقد كانت القوانين الاردنية وما ادخل عليها الاحتلال الاسرائيلي من تعديلات هي السارية في الضفة الغربية ، اما وقطاع غزة فقد كانت القوانين الفلسطينية وما ادخل عليها من تعديلات بموجب الأوامر الإدارية المصرية والأوامر العسكرية الإسرائيلية هي النافذة ، لذا سنبحث في هذا الفصل الرقابة القضائية في الضفة الغربية ما قبل انشاء المحكمة العليا بموجب القانون رقم 5 لسنة 2001 ، ومن ثم نتعرض الى انشاء المحكمة العليا وتشكيلها في المبحث الاول من هذا الفصل

المبحث الأول
الرقابة القضائية على الاعتقال التعسفي .
المطلب الاول
ما قبل انشاء المحكمة العليا

كانت فلسطين حتى العام 1948 خاضعة للانتداب البريطاني ، وقد نظمت القوانين المطبقة فيها انذاك تشكيل المحاكم بما فيها المحكمة العليا وذلك بموجب المادة 43 من مرسوم دستور فلسطين والتي تضمنت النص على ان المحكمة العليا تجلس كمحكمة عدل عليا لسماع وفصل المنازعات والعرائض الخارجة عن اختصاص اية محكمة اخرى مما تستدعي الضرورة فصله لاقامة قسطاس العدل.
وبالإضافة إلى هذا النص الدستوري استمدت محكمة العدل العليا صلاحياتها من قانون تشكيل المحاكم لسنة 1926 وتعديلاته لسنة 1940 ، وقد تضمن النص على انه ( لمحكمة العدل العليا ان تنظر دون غيرها في المسائل التالية :

أ‌- في المطالبات التي تنطوي على اصدار اوامر الافراج عن الاشخاص الموقوفين دون وجه حق ..... الخ )

وقد ارست محكمة العدل العليا في ذلك الحين مجموعة من المبادئ في هذا الخصوص ، حيث قررت ان صلاحياتها في اصدار الاوامر هي صلاحية اختيارية ولا تصدرالمحكمة العليا امر ا بمقتضى الصلاحيات المخولة لها الا اذا اقتنعت ان اصدار مثل هذا الامر ضروري لاقامة العدل ، كما قررت المحكمة واستنادا الى هذا المبدا انه اذا كان هناك علاجا اخر يستطيع المستدعي ان يلجا اليه لتحقيق العدالة فلا تصدر محكمة العدل العليا امرا بموجب الصلاحية المخولة اليها بموجب قانون تشكيل المحاكم ، بمعنى إذا كان الموضوع يدخل ضمن اختصاص محكمة نظامية او محكمة خاصة فلا تختص المحكمة العليا ابتداءا باصدار قرار ، لكن المحكمة أكدت انه وان كان الموضوع من صميم اختصاص المحكمة العليا ولكن كان للمستدعي علاجا اخر اما عن طريق دعوى مباشرة او عن طريق دفع فلا تصدر المحكمة العليا امرا بهذا النزاع ، وفي هذا الموضوع قضت المحكمة انه : ( ان ممارسة المحكمة العليا للصلاحيات المنموحة لها كمحكمة عدل عليا يعود لراي المحكمة ولا يكفي للمستدعي ان يبدي ان هناك انتهاك شكلي لحق من الحقوق فقبل أن تتدخل المحكمة يجب ان تقتنع ان تدخلها ضروري لاقامة قسطاس العدل وفي تقرير هذه النقطة احد الامور التي تاخذها المحكمة بعين الاعتبار هو فيما اذا كان القضاء العادي يمكنه ان يحل الاشكال الناشئ بين المستدعي والمستدعى ضده بصورة جدية ومنتجة )

ثم وبعد الحاق الضفة الغربية للحكم الاردني في مطلع العام 1950 وبصدور قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم 71 لسنة 1951 فقد نصت المادة 11/3 منه على ان : ( أ – - صلاحية سماع وفصل المسائل التي هي ليست قضايا او محاكمات ، بل مجرد عرائض او استدعاءات خارجة عن صلاحية اية محكمة اخرى مما تستدعي الضرورة فصله لاقامة قسطاس العدل ، كالطلبات التي تنطوي على اصدار اوامر الافراج عن الاشخاص الموقوفين بوجه غير مشروع والاوامر التي تصدر الى الهيئات العامة وموظفي الحكومة بشأن القيام بواجباتهم العمومية وتكليفهم القيام باعمال معينة او الامتناع عن القيام بها.)
وفي قانون تشكيل المحاكم رقم 26 لسنة 1952 وفي الفقرة الثالثة من المادة 10 منه تضمنت النص على ان القرار الاداري القاضي بتوقيف شخص يقبل الطعن بالالغاء امام محكمة العدل العليا وفقا لاحكام البند (و ) واذا اصدرت محكمة العدل العليا حكم بالغاء القرار الاداري القاضي بالتوقيف تعين على الادارة تنفيذ هذا الحكم وبالتالي يخلى سبيل الموقوف .
وقد استمر العمل بهذا القانون حتى وقوع الضفة الغربية في قبضة الاحتلال الاسرائيلي الذي سارع وفور استقرار الاوضاع على الجبهة العسكرية وبشكل مخالف للقوانين الدولية إلى اغتصاب السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وإناطتها بيد الحكم العسكري بموجب ما ورد في الأمر رقم 1 لسنة 1967م ، وبالاستناد إلى ما ورد في هذا الأمر المخالف لكافة القوانين والأعراف الدولية عمد المحتل إلى إصدار مجموعة من الاوامر العسكرية التي عدلت في التنظيم القضائي واختصاص المحاكم النظامية ،وذلك بموجب الامر العسكري رقم 39 لسنة 1967 و الامر العسكري رقم 412 لسنة 1970 ، حيث تم الغاء محكمة التمييز وانيطت صلاحيات محكمة العدل العليا بعد الغاء جزء منها لمحكمة الاستئناف وبقي العمل مستمرا على هذا النحو حتى سن قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم 5 لسنة 2001 والذي تم بموجبه انشاء المحكمة العليا بجزئيها محكمة النقض ومحكمة العدل العليا .

المطلب الثاني
انشاء المحكمة العليا وتشكيلها

لكي نتمكن من فهم أي قانون فهماً صحيحاً يتوجب علينا بحث الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أفرزته كما يتوجب علينا بحث حزمة القوانين الصادرة في ذات البلد في الزمن المعاصر للقانون المراد بحثه، حيث تعبر هذه القوانين عن اتجاهات السلطات ورغباتها السياسية أو الاجتماعية التي تريد تحقيقها بواسطة الأداة التشريعية ؛ فالقانون هو الوسيلة التي تحقق بها السلطات ما تريد في جميع مناحي الحياة ، ويتبين لنا من الاستعراض الذي سقناه انفا ان الجهاز القضائي في الاراضي الفلسطينية قد عانى من فراغ قانوني تمثل في الاعتداء على صلاحيات المحاكم التي كانت مقررة عشية وقوع الاحتلال ، وما رافق ذلك من اعلان محامي الضفة الغربية للاضراب عن العمل حتى قدوم السلطة الوطنية في العام 1994م ،كل ذلك ادى الى وجود حاجة ماسة الى اقرار قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم 5 لسنة 2001 الذي اعاد للجهاز القضائي الفلسطيني المحكمة العليا بشقيها محكمة النقض ومحكمة العدل العليا ، وذلك بموجب احكام ومواد الفصل الخامس من القانون ، حيث تضمن النص في المادة 23 على : ( تتكون المحكمة العليا:1- محكمة النقض.2- محكمة العدل العليا)

و المادة 32 من ذات القانون نصت على : ( تنعقد محكمة العدل العليا من رئيس المحكمة العليا وقاضيين على الأقل، وعند غياب الرئيس يرأس المحكمة أقدم نوابه، فالقاضي الأقدم في هيئة المحكمة.) وبسريان هذا القانون ووضعه موضع التطبيق عادت للمواطن احدى الضمانات الهامة لحقوقه وحرياته بموجب ما منحه هذا القانون لمحكمة العدل من اختصاص هام يتمثل في صلاحياتها لبحث طلبات الافراج عن الاشخاص الموقوفين دون وجه حق .

ويخضع قضاة محكمة العدل العيا الى ما يخضع له القضاة النظاميون من حيث التعيين والترقية والاقدمية والنقل والندب والاعارة حسبما هو منصوص عليه في قانون السلطة القضائية النافذ ، كما ويلتزم قضاة محكمة العدل العليا بالواجبات المنصوص عليها بذات القانون .

وقد نصت المادة 20 من قانون السلطة القضائية على شروط التعيين في المحكمة فى العليا وهي أن يكون قد شغل لمدة ثلاث سنوات على الاقل وظيفة قاضي بمحاكم الاستئناف او ما يعادلها بالنيابة العامة او عمل محاميا مدة لا تقل عن عشر سنوات ، بالاضافة الى الشروط العامة الاخرى المطلوب توافرها في كل من يعين قاضيا بحكم نص المادة 16 والتي اوجبت على كل من يعين قاضيا ان يكون فلسطيني الجنسية وكامل الاهلية وحاصلا على اجازة الحقوق او الشريعة والقانون من جامعة معترف بها غير محكوم بحكم محكمة او مجلس تأديب لعمل مخل بالشرف ولو كان رد اليه اعتباره وان يكون محمود السيرة وحسن السمعة ولائق طبيا ويتقن اللغة العربية و ان ينهي ارتباطه باي تنظيم او حزب سياسي .


المبحث الثاني
صلاحية محكمة العدل العليا واتجاه قضائها في عمليات الاعتقال التعسفي .
استمدت محكمة العدل العيا اختصاصها من قانون تشكيل المحاكم النظامية رقم 5 لسنة 2001 ، حيث نص القانون في المادة 33 منه على : ( تختص محكمة العدل العليا بالنظر فيما يلي:
1-الطعون الخاصة بالانتخابات2- الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بإلغاء اللوائح أو الأنظمة أو القرارات الإدارية النهائية الماسة بالأشخاص أو الأموال الصادرة عن أشخاص القانون العام بما في ذلك النقابات المهنية3- الطلبات التي هي من نوع المعارضة في الحبس التي يطلب فيها إصدار أوامر الإفراج عن الأشخاص الموقوفين بوجه غير مشروع4- المنازعات المتعلقة بالوظائف العمومية من حيث التعيين أو الترقية أو العلاوات أو المرتبات أو النقل أو الإحالة إلى المعاش أو التأديب أو الاستيداع أو الفصل، وسائر ما يتعلق بالأعمال الوظيفية.
5- رفض الجهة الإدارية أو امتناعها عن اتخاذ أي قرار كان يجب اتخاذه وفقاً لأحكام القوانين أو الأنظمة المعمول بها6- سائر المنازعات الإدارية7- المسائل التي ليست قضايا أو محاكمات بل مجرد عرائض أو استدعاءات خارجة عن صلاحية أي محكمة تستوجب الضرورة الفصل فيها تحقيقاً للعدالة8- أية أمور أخرى ترفع إليها بموجب أحكام القانون) .
لذا سنقسم هذا المبحث الى مطلبين ، الاول يتعلق بطبيعة الدعوى الادارية المقدمة بشان طلبات الافراج عن الموقوفين دون وجه مشروع وبحث الاجراءات المتبعة امام المحكمة ، وفي المطلب الثاني سنتطرق الى اتجاه محكمة العدل العيا في قضائها بخصوص الرقابة على عمليات الاعتقال غير المشروع

المطلب الاول
طبيعة الدعوى المقدمة امام المحكمة العليا والاجراءات المتبعة امامها .

تعتبر الدعاوى المنظورة امام محكمة العدل العيا من الدعاوي المستعجلة بطبيعتها ، حيث نص قانون اصول المحاكمات المدنية والتجارية رقم 2 لسنة 2001 وفي المادة (291) منه على : ( تصدر المحكمة حكمها على وجه السرعة في الطلب وذلك إما برفضه أو بإلغاء القرار المطعون فيه أو بتعديله مع ما يترتب على حكمها من آثار قانونية) وفي ذلك تقول محكمة العدل العيا في قرارها رقم 14/2000 الصادر بتاريخ 18/11/2000 ان : ( دعاوى العدل العليا يتوجب البت فيها على وجه السرعة .....)

وبالعودة الى نص المادة 33 من قانون تشكيل المحاكم النظامية نجد ان الصلاحية الرئيسية لمحكمة العدل العليا هي صلاحية الغاء القرارات الادارية ، وفيما يتعلق بموضوع بحثنا نجد ان اختصاص المحكمة العليا هو الغاء القرار الصادر بتوقيف المستدعي بوجه غير مشروع واصدار امر بالافراج لحماية الاشخاص الموقوفين بوجه غير مشروع ، ذلك ان القرار الصادر بتوقيف الشخص من اي جهة غير الجهة المحددة بموجب قانون الاجراءات الجزائية النافذ يعتبر قرارا اداريا يقبل الطعن بالالغاء امام محكمة العدل العليا وفقا لنص المادة 33/ 3 من قانون تشكيل المحاكم النظامية ، واذا ما اصدرت محكمة العدل العليا قرارها بالغاء القرار القاضي بالتوقيف تعين على الادارة تنفيذ هذا الحكم وبالتالي اخلاء سبيل الموقوف .

ودعوى الالغاء هي دعوى عينية موضوعها القرار الاداري المشوب بعيب من العيوب التي تجعله غير مشروع ، كما ورد في حكم لمحكمة العدل العليا رقم 43/2005 الصادر بتاريخ 4/10/:2005 : ( دعوى الالغاء تهدف الى مخاصمة القرار المعيب بقصد الغائه وليس مخاصمة الادارة مصدرته ) كما انها تخضع لمواعيد معينة في رفعها واجراءات خاصة في رفعها محددة بموجب احكام القانون وفي هذه الدعوى تقتصر سلطة القاضي الاداري على الغاء القرار غير المشروع دون ان تمتد سلطته للتعويض وفي هذه الدعوى فان الحكم الصادر بالغاء القرار يتمتع بحجية مطلقة في مواجهة الكافة ، وفي هذا ما ورد في قرار محكمة العدل العليا المشار اليه انفا : ( ان القرارات التي تصدرها محكمة العدل العليا بالغاء القرارات الادارية لها حجة على الكافة )

ولقد تضمن قانون اصول المحاكمات المدنية والتجارية في الباب الرابع عشر اصولا خاصة يتوجب اتباعها امتام محكمة العدل عليا ، حيث نص في المادة 283 منه على ان : (تبدأ الإجراءات أمام محكمة العدل العليا بتقديم استدعاء إلى قلم المحكمة بعدد المستدعى ضدهم مرفقاً به الأوراق المؤيدة له.)

ويشترط لقبول الدعوى اما محكمة العدل العليا توافر كافة الشروط التي يلزم توافرها في كل دعوى اخرى لكي تكون مقبولة امام المحكمة المختصة ، لتتمكن محكمة العدل العليا بعد فحص هذه الشروط والتاكد من توافرها من الانتقال الى بحث موضوع الدعوى الادارية ، وبديهي انه يجب ان يذكر في الاستدعاء المقدم كافة البيانات الواجب ذكرها بحكم المادة 52 من ذات القانون من حيث اسم المستدعي وعنوانه ، واسم المستدعى ضده مصدر القرار وموضوع الدعوى بذكر القرار المشكو منه ، و كذلك بيان اسباب الطعن بحيث تتضمن لائحة الدعوى بيانا بالامور الواقعية التي نشات فيها الدعوى ولا يجوز للمدعي اثبات الا الامور الواقعية الواردة في لائحة الدعوى الا اذا سمحت المحكمة للمستدعي اجراء تعديل على لائحة دعواه أو أمرته بذلك ، كما يتوجب على المستدعي ذكر اسباب الطعن في القرار الاداري في لائحة دعواه فاذا خلت اللائحة من أسباب الطعن ترد الدعوى شكلا ، كذلك يجب ان تتضمن لائحة الدعوى ما يطلبه المستدعي من المحكمة فصلاحية المحكمة هي صلاحية الغاء ، الا انه اذا خلت لائحة الدعوى من ذكر طلب الالغاء صراحة فقد استقر القضاء الاداري في الدول المجاورة على أن مجرد الطعن في القرار الاداري يفيد الغائه ضمنا ، كما تطلب القانون وفي المادة مادة (285) من القانون على ضرورة ان تكون الدعوى موقعة من محام مزاول حيث نصت : ( 1 - لا يسمع الاستدعاء لدى هذه المحكمة إلا إذا كان مقدماً من محام مزاولة. 2- يشترط أن يكون توكيل المحامي موقعاً من المستدعي أو أحد أقاربه حتى الدرجة الرابعة في الطلبات المتعلقة بالحقوق والحريات العامة. )

فيما تضمنت المادة (284) النص على : ( 1- يكون ميعاد تقديم الاستدعاء إلى محكمة العدل العليا ستين يوماً من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه أو تبليغه إلى صاحب الشأن، وفي حالة رفض الإدارة أو امتناعها عن اتخاذ أي قرار يبدأ الميعاد من تاريخ انقضاء ثلاثين يوماً على تقديم الطلب إليها. 2- تسمع الطلبات المتعلقة بأوامر الإفراج عن الأشخاص الموقوفين بوجه غير مشروع طيلة مدة إيقافهم دون التقيد بميعاد.) وقد جاءت الفقرة الثانية من هذه المادة باستثناء على شرط مدة الطعن التي يحق للمحكمة اذا ما قدم اليها الطعن ان تبسط رقابتها على الدعوى ، وفي هذا ضمانة هامة للاشخاص الموقوفين دون وجه مشروع من تعسف الجهة الادارية بحقهم ، وحتى لا يتمسك في مواجهتهم بمضي مدة لما في ذلك من اطلاق ليد الادارة في مواجهتهم ومنعهم من الطعن بقرار التوقيف خلال المدة ، وهذه الفقرة تقرا مع الفقرة الثانية من المادة 285 والتي اجازت لاحد اقارب الموقوف حتى الدرجة الرابعة ان يقوم بالتوقيع على توكيل المحامي الامر الذي اراد المشرع من خلاله فتح الباب واسعا لتمكين محكمة العدل العليا من بسط رقابتها على قرارات التوقيف غير المشروع ذلك ان المحكمة العليا تعتبر في مثل هذه الحالات هي الحصن المنيع والملاذ الاخير الذي يلجا اليه الشخص في مواجهة تعنت وتعسف الجهة الادارية .

المطلب الثاني
اتجاه المحكمة العليا في الرقابة على الاعتقال التعسفي

منذ إنشاء محكمة العدل العليا فقد استقر قضائها على قبول الدعاوى المتعلقة بطلبات الافراج عن الاشخاص الموقوفين دون وجه مشروع ، ومن استقراء قضائها في هذا الموضوع نجد أنها اعتبرت أن التوقيف يكون غير مشروع اذا صدر من جهة غير مختصة بالتوقيف طبقا لما ورد في قانون الاجراءات الجزائية و / او اذا لم تتبع الاجراءات المنصوص عليها في ذات القانون منذ لحظة القاء القبض على المتهم وحتى الحكم عليه من قبل محكمة مختصة ، وفي هذا الخصوص قضت محكمة العدل العليا في رام الله في القرار الصادر في الدعوى رقم 8/2002 بتاريخ 10/12/2003 رقم القرار 11 على انه : ( ....اما عن الدفع المتمثل في وجوب رد الدعوى لعدم الاختصاص لان قرار التوقيف صدر عن جهة قضائية فاننا نجد ان نيابة امن الدولة هي الجهة التي تولت توقيف المستدعي وبالتالي فان قرار توقيف المستدعي لم يصدر عن جهة قضائية والجهات القضائية صاحبة الصلاحية بالتوقيف حددها قانون الاجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 والجهة التي قررت التوقيف ليست من بين الجهات المختصة بالتوقيف على ضوء النصوص الواردة في قانون الاجراءات الجزائية المذكور ..... وبالتدقيق نجد انه تم توقيف المستدعي من قبل نيابة امن الدولة بموجب مذكرة اعتقال صادرة عن قاض لم يذكر اسمه ولم تحدد صفته او وظيفته القضائية وعلى اوراق نيابة امن الدولة وتم توقيفه بتاريخ 11/1/2002م لمدة 48 ساعة بموجب مذكرة توقيف وبتاريخ 13/1/2002م صدرت مذكرة توقيف بنفس مواصفات المذكرة الاولى ، وبتاريخ 27/1/2002م صدرت مذكرة توقيف ثالثة بنفس مواصفات المذكرتين السابقتين وبعد ذلك لم تصدر اي مذكرات كما لم يتم عرض المستدعي على اي مرجع قضائي مختص .وبالرجوع الى المادة 11 من القانون الاساسي نجد انها تنص على ان : ( الحرية الشخصية حق طبيعي وهي مكفولة ولا تمس ولا يجوز القبض على احد او تفتيشه او حبسه او تقييد حريته باي قيد او منعه من التنقل الا بامر قضائي وفقا لاحكام القانون ويحدد القانون مدة الحبس الاحتياطي ولا يجوز الحجز او الحبس في غير الاماكن الخاضعة للقوانين الصادرة بتنظيم السجون ) والقانون الواجب التطبيق هو قانون الاجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 والذي تضمن النص في الفقرة الرابعة من المادة 120 على انه : ( 4-- لا يجوز بأي حال أن تزيد مدد التوقيف المشار إليها في الفقرات الثلاث أعلاه على ستة أشهر وإلا يفرج فوراً عن المتهم ما لم تتم إحالته إلى المحكمة المختصة لمحاكمته.) مما يترتب عليه ان احتجاز وتوقيف المستدعي لا يستند الى اي اجراء قانوني وعلى ضوء ما تقدم فاننا نجد ان توقيف المستدعي يخالف القانون واستمرار التوقيف بالرغم من عدم وجود تهمة ضده يشكل انتهاك لحقوقه التي نص عليها الدستور كما ان استمرار توقيفه دون ان يتم التحقيق معه ودون ان تتم احالته الى محكمة مختصة يخالف المادة 120 من قانون الاجراءات الجزائية مما ينبني عليه ان الدفع بعدم قبول الدعوى غير وارد القرار المطعون فيه مخالف للقانون حقيقا بالالغاء ...) .

وفي ذات السياق قررت محكمة العدل العيا بغزة في الدعوى رقم 171/2002 المفصولة بتاريخ 22/3/2003 ان : ( وحيث ان محكمة العدل العليا وبعد اطلاعها على الاوراق وسماعها مرافعات الطرفين ترى ان ممثل النيابة العامة لم يتقدم امامها بما يفيد اتباع الاجراءات القانونية الواجب اتباعها بالنسبة للمستدعي من لحظة القاء القبض عليه حتى تاريخ نظر هذا الطلب وفقا لما وردت في قانون الاجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 من حيث الحصول على امر بالقبض على المستدعي من قبل الجهة المختصة او اجراء التحقيقات اللازمة من قبل النيابة العامة او التوقيف من قبل محكمة الصلح او تمديد التوقيف طبقا للقانون كما انه لم يقدم ما يفيد ان النيابة العامة كان لها دور في الاجراءات اللازمة بالنسبة للمستدعي بعد القبض عليه وحيث ان قانون الاجراءات الجزائية ينص في المادة 29 على انه : ( لا يجوز القبض على أحد أو حبسه إلا بأمر من الجهة المختصة بذلك قانوناً، كما تجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز إيذاؤه بدنياً أو معنوياً ) كما هي النيابة العامة طبقا لنص المادة 1 من ذات القانون والتي تنص على : (تختص النيابة العامة دون غيرها بإقامة الدعوى الجزائية ومباشرتها ولا تقام من غيرها إلا في الأحوال المبينة في القانون.) كما نصت الفقرة 1 من المادة 55 من ذات القانون على ان : (1- تختص النيابة العامة دون غيرها بالتحقيق في الجرائم والتصرف فيها.) فيما تنص المادة 34 من ذات القانون على ان : (يجب على مأمور الضبط القضائي أن يسمع فوراً أقوال المقبوض عليه فإذا لم يأتِ بمبرر إطلاق سراحه يرسله خلال أربع وعشرين ساعة إلى وكيل النيابة المختص.) وتنص المادة 108 من قانون الاجراءات الجزائية على انه : (يجوز لوكيل النيابة توقيف المتهم بعد استجوابه لمدة ثمان وأربعين ساعة ويراعى تمديد التوقيف من قبل المحكمة طبقاً للقانون) وتنص كذلك المادة 119 على انه : (إذا اقتضت إجراءات التحقيق استمرار توقيف المقبوض عليه أكثر من أربع وعشرين ساعة فلوكيل النيابة أن يطلب من قاضي الصلح تمديد التوقيف لمدة لا تتجاوز خمسة عشر يوماً.) ، وبالاضافة الى ما تقدم هناك مواد اخرى في القانون المذكور عاليه تبين بصورة واضحة الاجراءات القانونية الواجب إتباعها بالنسبة للأشخاص الذين تم القبض عليهم منذ لحظة القبض عليهم وحتى تاريخ تقديمهم للمحاكمة وصدور الحكم وحيث لم يثبت لهذه المحكمة ان المستدعى ضده – جهاز المخابرات العامة – قد قام باتباع الاجراءات القانونية منذ لحظة القبض على المستدعي كما بينها القانون مما يجعل من توقيف المستدعي وحجزه توقيفا غير مشروع مما يتوجب اجابته الى طلبه بالافراج عنه فورا )

وفي قرار اخر قضت محكمة العدل العليا بانه : ( وحيث ان هذه المحكمة مختصة بنظر هذا الطلب باعتبار ان توقيف المستدعي لم يمر في المراحل المذكورة في قانون الاجراءات فهو غير مشروع اما بالنسبة لامر التوقيف المبرز والذي يبين ان المستدعي موقوف من قبل نيابة امن الدولة فانه لم يذكر فيه صراحة التهمة المسندة للمستدعي ولا المادة القانونية كما انه لم يجدد توقيفه من القاضي المختص ولما كان الامر كذلك فقد باتت الاجراءات المتخذة غير قانونية مما يستوجب الافراج عن المستدعي فورا )

وبنتيجة الانقسام الذي تعرضت له الاراضي الفسطينية في العام 2007 بنتيجة الحسم العسكري في غزة ، فقد تزايدت عمليات الاعتقال التي تعرض لها الافراد في الاراضي الفلسطينية ، وقد لجات الاجهزة الامنية وهما من افراد الضابطة القضائية الى استصدار مذكرات التوقيف و / او اوامر تمديد التوقيف من قبل رئيس هيئة القضاء العسكري الفلسطيني المشكلة بموجب القرار التشريعي رقم 5 الصادر عن الرئيس ياسر عرفات بتاريخ 11/7/1979م والذي سن بموجبه قانون اصول المحاكمات الجزائية الثوري وقانون العقوبات الثوري وقانون السجون ونظام رسوم المحاكم الثورية ، وبدا العمل بهذه القوانين في الشتات الفلسطيني وفي اماكن تواجد قوات الثورة الفلسطينية ، وطبقت هذه القوانين على العسكريين والمدنيين الفلسطينيين في اماكن تواجد قوات الثورة الفلسطينية .

وبهذا الخصوص فقد اكدت محكمة العدل العيا في العديد من القرارات الصادرة عنها بمناسبة الطعن في قرار التوقيف الصادر عن رئيس هيئة القضاء العسكري ان توقيف المدنيين على ذمة هيئة القضاء العسكري وبامر من رئيسها امر مخالف للقانون الاساسي للسلطة الوطنية ومخالف لقانون الاجراءات الجزائية النافذ وعليه فقد اعتبرت المحكمة العليا القرارات الصادرة بالتوقيف بالصورة المشار اليها باطلة ولاغية ، فقد قررت محكمة العدل العيا في القرار الصادر في الدعوى رقم 315/2008 بتاريخ 2/11/2008 ان : ( وفي الموضوع تجد المحكمة ان القرار الرئاسي رقم 1 لسنة 1994 الصادر عن رئيس السلطة الوطنية ينص على انه يستمر العمل بالقوانين والانظمة والاوامر التي كانت سارية قبل تاريخ 5/6/1967 ، اما القانون رقم 5 لسنة 1995م فقد جاء مكملا ومؤكدا للقانون رقم 1 لسنة 1994م حيث نصت المادة 1 منه على انه تؤول للسلطة الفلسطينية جميع الصلاحيات والسلطات الواردة في التشريعات والقوانين والمراسيم السارية المفعول في الضفة الغربية وقطاع غزة قبل 19/5/1994م ، ونصت المادة 4 منه على انه يلغى كل ما يتعارض مع هذا القانون ، وبقراءة هذين القانونين وبتطبيق احكامهما على الواقعة المعروضة فان قانون الاجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 الذي حل محل كافة القوانين الجزائية المنصوص عليها في المادة 485 من نفس القانون هو الواجب التطبيق من حيث اجراءات التفتيش والقبض والتوقيف والاحالة وليس ما ذهبت اليه النيابة العامة في لائحتها الجوابية من ان اجراءات التوقيف قانونية وتستند الى احكام المادتين 83 و88 من قانون اصول المحاكمات الجزائية لعام 1979 الذي لم يعمل به اصلا في الاراضي الفلسطينية ، وبانزال حكم القانون على الوقائع الواردة في الاستدعاء وعلى البينات المقدمة ولما كان القرار او الاجراء المطعون فيه والمطلوب الغائه قد صدر عن المستدعى ضده الاول – رئيس هيئة القضاء العسكري – ولما كان القرار او الاجراء المطعون فيه متخذ ضد المستدعي الذي لم يثبت انتماءه لاية جهة عسكرية او امنية وحيث ان القانون الواجب التطبيق هو قانون الاجراءات الجزائية رقم 3 لسنة 2001 ، ولما كان القانون الاساسي قد حصر نطاق صلاحية القضاء العسكري في العسكريين فقط بموجب نص المادة 101 منه التي حظرت على ان يكون للقضاء العسكري والمحاكم العسكرية اي اختصاص او ولاية خارج نطاق الشان العسكري فان قرار و / او اجراء توقيف المستدعي واستمرار توقيفه من قبل الجهة المستدعى ضدها يعتبر اجراءا تحكميا ظالما صادرا عن جهة غير مختصة الامر الذي يجعل منه منعدما لا يرتب أثرا وواجب الإلغاء لهذه الأسباب قررت المحكمة الافراج عن المستدعي ) وقد تكرر هذا المبدا في العديد من قرارات محكمة العدل العيا .

وفي هذا النطاق نضيف انه وبالاضافة الى المادة 101 من القانون الاساسي التي حصرت اختصاص وولاية المحاكم العسكلرية بالشان العسكري فقط ، فقد جاء قانون الخدمة في قوى الامن المنشور بتاريخ 11/11/2005 ، وكقانون اجرائي تنظيمي ، بنصوص خاصة تبين وبدقة اختصاص المحاكم العسكرية ، حيث نص في المادة (98) منه على ما يلي : ( العقوبات التي توقعها المحاكم العسكرية وفقا للقانون وذلك إذا ارتكب الضابط أي من الجرائم الآتية1- ترك موقعا أو مركز أو مخفرا أو تسليم أي منها أو اتخاذه وسائط لإلزام أو تحريض أي قائد أو شخص آخر على ترك موقع أو مركز أو مخفر أو تسليم أي منها مع أن الواجب على ذلك القائد أو الشخص الآخر المدافعة عنه2- تركه أسلحة أو ذخيرة أو عدد تخصه أمام جهات معادية3- مكاتبة العدو أو تبليغه أخبار بطريق الخيانة أو إرسال راية الهدنة إلى العدو بطريق الخيانة أو الجبن4- إمداده العدو بالأسلحة أو الذخيرة أو بالمؤونة أو قبوله عدوا عنده أو حمايته عمدا ولم يكن ذلك العدو أسيرا5- خدمته العدو أو مساعدته اختياراً بعد وقوعه أسيراً في قبضة ذلك العدو
6- إجراؤه عملا يتعمد به عرقلة فوز قوى الأمن بأكملها أو أي قسم منها أثناء وجوده في خدمة الميدان7- إساءة التصرف أو إغراء آخرين بإساءة التصرف أمام جهات معادية بحالة يظهر منها الجبن) .وبالتالي ولما كان هذا القانون صادرا عن مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وهو الاولى بالتطبيق في الاراضي الفلسطينية قد حسم الجرائم التي تختص المحاكم العسكرية بايقاعها على الافراد المشمولين باحكام هذا القانون وهم كما ورد تعريفهم في المادة 1 من القانون كما يلي : (قوى الأمن: قوى الأمن الفلسطينية.) حيث حدد القانون وفي المادة الثانية منه نطاق تطبيق هذا القانون بما يلي : (تطبق أحكام هذا القانون على الضباط وضباط الصف والأفراد العاملين في قوى الأمن العاملة ثانيا : قوى الأمن) في حين نجد ان المادة 3 ممن ذات القانون قد نصت على انه : ( تتألف قوى الأمن من 1- قوات الأمن الوطني وجيش التحرير الوطني الفلسطيني2- قوى الأمن الداخلي3- المخابرات العامةوأية قوة أو قوات أخرى موجودة أوتستحدث تكون ضمن إحدى القوى الثلاث.) وبالتالي يبدو جليا وواضحا ان قضاء محكمة العدل العيا الفلسطينية القاضي باعتبار توقيف الافراد المدنيين من قبل هيئة القضاء العسكري او رئيسها لا يعدو كونه قرار اداري صادر عن جهة غير مختصة وهو قرار منعدم لا يرتب اي اثر وحقيق بالإلغاء هو قضاء جريئ وموافق للقانون .



الخاتمة
بالرغم من أن القضاء الإداري كنوع من أنواع القضاء الفلسطيني حديث النشأة ، وبالرغم من وجود الكثير من المعيقات الموضوعية والظروف السياسية التي تعيق عمل وتطور هذا القضاء والتي قد تؤثر على استقلال القضاء الذي مؤداه أن يكون تقدير كل قاض لوقائع النزاع، وفهمه لحكم القانون بشأنها، متحرراً من كل قيد، أو تأثير، أو إغواء، أو وعيد، أو تدخل، أو ضغوط أياً كان نوعها أو مداها أو مصدرها أو سببها أو صورتها، ما يكون منها مباشراً أو غير مباشر ، ، إلا أن القضاء الفلسطيني ممثلا بالمحكمة العليا اثبت انه قضاء فاعل ومستقل من خلال التصدي لقضايا الاعتقال التعسفي و توقيف الأفراد بوجه غير مشروع سواء كان هذا التوقيف صادر عن جهة غير مختصة أو تم هذا التوقيف بمخالفة الإجراءات القانونية الواردة في قانون الإجراءات الجزائية ، كما نأت المحكمة العليا بنفسها عن السجالات السياسية الدائرة في الأراضي الفلسطينية بعد الانقسام بنتيجة الحسم العسكري في غزة ، وكانت المحكمة العليا وما زالت الدرع الحصين والحامي الامين للحقوق والحريات العامة للفرد الفلسطيني الذي طالما انتهكت حرياته على مر العقود من قبل الاحتلال .

الا انه يؤمل في هذا القضاء الاستمرارية والتطور وان يتعرض من خلال أحكامه لتعريف التوقيف غير المشروع ليكون مرجعا يركن إليه في التمييز بين الشرعية واللا شرعية فيما يتعلق بالتوقيف.